حوار مع عاطف أبو سيف المرشح في القائمة الطويلة

06/02/2018

متى بدأت كتابة رواية "الحاجة كريستينا" ومن أين جاءك الإلهام لها؟

بدأت كتابة رواية "الحاجة كريستينا" في صيف العام 2014، مباشرة بعد نهاية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. كانت أهوال الحرب مازالت عالقة في كل مكان، والرعب يقتات على استقرار الناس. بدأت كتابة الفصل الأول المعنون بالشبح. كان ثمة شبح مخيف أراه كل ليلة. اظنه سيلتهمنا كلنا. كأننا نجونا من الحرب بالصدفة، بصدفة أخرى. ثم أردت أن اتحدث عن نسوة المخيم. في الحقيقة كنت منذ صغري مفتوناً بقوة تلك النسوة وهن يقارعن الحياة. في حارتنا في المخيم، كما في كل حارة، ثمة مجموعة من النسوة القويات اللاتي لا يمكن تصور حياة الحارة بدونهن. وكنا إلى جانب الكثير من الأشياء أساسيات في مواجهة الاحتلال. أذكر كيف كن يخلصننا، ونحن فتية، من أيدي الجيش. كانت أمي منهن بالطبع. كنت أفكر كيف يمكن لي أن احتفل بهذا العالم الثري، وأرد له بعض الدين. من هنا ظهرت فكر المرأة البطل في الرواية. ولما كنت لاجئاً من مدينة يافا فإن الحكاية الأثيرة التي كانت تبكيني وانا طفل عن جدتي حين أجبرت على الخروج من بيتها في يافا إلى خيمة على رمال غزة، كانت حاضرة دائماً.

ثمة سؤال كبير كان يدور في عقلي حول الهوية وكيف ينجح الفلسطيني رغم كل شيء بالتعلق بأصغر الأشياء التي تذكره ببيته القديم. المفتاح القديم الذي تحتفظ كل عائلة به في صدر البيت كأنها تقول للزمن اننا سنعود شئت أم أبيت. كيف يتحدث جارنا عن شبكة الصيد في يافا. كيف تكون ذكريات المدرسة كأنها روايات من عالم أليس في بلاد العجائب. عالم ثري. الذاكرة التي تتعارض مع قسوة الواقع، والفرار للماضي لأن الحاضر لا يجلب إلا الألم.

من هذه الأفكار ولدت كريستينا او "فضة" اليافاوية التي تناضل ببسالة في وجه الواقع واللجوء والنكران من أجل أن تحافظ على ذاكرتها. فالفتاة التي وصلت المخيم منكرة مشكوك في هويتها تصبح بعد فترة اهم امرأة في المخيم وأيقونة من أيقوناته. ثم تختفي ثم تعود. حكاية تليق بالواقع الفلسطيني وتعكس ثنائية الغياب والحضور فيه.

هل استغرقت كتابة الرواية مدّة طويلة؟ وأين كنت تقيم عند إكمالها؟

استغرقت كتابة القصة قرابة عامين، أقل بقليل ربما. تدور احداث الرواية في ثلاثة مدن: يافا حيث ولدت فضة وحيث طفولتها، ولندن حيث تضطر للسفر وهي فتاة للعلاج وتمكث هناك 10 سنوات، وغزة حيث تعيش. كنت محظوظاً انني كتبت الاماكن الثلاثة وانا فيها بطريقة أو بأخرى. حيث حظيت بمنحة من مؤسسة بلومزبري ككاتب أمضيت شهرين في لندن. ولأنني كنت بحاجة للكتابة عن لندن في نهاية أربعينات القرن العشرين وحتى نهاية خمسيناته، فقد زرت متاحف مدينة لندن المختلفة خاصة التاريخية منها للتعرف على الملابس والعادات والموسيقي والظواهر والعمارة وغير ذلك، وأطلعت على مذكرات ويوميات الجنود والموظفين البريطانيين الذين قاتلوا في معارك غزة الثلاثة (1917) وأولئك الذين عملوا في إدارة الانتداب في يافا، وكل هذه وجدتها في المتحف الحروب الإمبريالية في لندن.

كما ذهبت ليافا- مازال جزء من عائلتي يسكن هناك - حيث مشيت في الأزقة والشوارع التي صارت فيها كريستينا في طفولتها، ورأيت المدرسة التي تعلمت فيها. يافا التي مزجت فيها بين ذاكرة جدتي التفصيلية البانورامية السينمائية عنها في ثلاثينات القرن الماضي وبين ما شاهدت  وعشت في عيني. وكتبت أجزءاً كبيراً وأنا اجلس هناك في المدينة على فترات متقطعة.

كيف استقبلها القراء والنقاد؟

الناس مازالت تسألني: هذه قصة حقيقية؟ هل كريستينا موجودة فعلاً في المخيم. خاصة انني أتحدث عن لاجئي يافا، مثل عائلتي، وحارة يافا في المخيم، وأشير إلى المخيم الذي أعيش فيه. بالطبع كل ما في الرواية خيال. لحظة يصير جزءاً من الرواية يصبح خيالاً حتى وإن كان في حقيقة الأمر واقعاً فعلياً.

ما هو مشروعك الأدبي بعد هذه الرواية؟

أعمل على إنجاز روايتي الجديدة "مشاة لا يعبرون الطريق"، أحاول ان أواصل ما بدأت به.  آمل أن اكون وفياً للعالم الذي منحني كل هذه القصص وللعالم الذي خلقته في رواياتي السابقة، العالم الذي تمنيت أن يظل معنا، يعبر معنا الحياة، يظل قارباً يعاند الموج.